الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

9

نفحات القرآن

الرشد والتكامل وأحس رؤوس الكفر بالخطر الذي يهدد عقائدهم الوثنية وثقافتهم الجاهلية ، فعادوا مرّة أخرى إلى أبي طالب فقالوا : « يا أبا طالب إنّ لك سناً وشرفاً وإنا قد أستنهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل وإنّا واللَّهِ لا نصبر على شتم آلهتنا وآبائنا وتسفيهِ أحلامِنا حتى تكفّه عنّا أو نُنازلهُ وإيّاك حتى يهلكَ أحدُ الفريقين » . في هذه المرّة أخبر أبو طالب الرسول صلى الله عليه وآله بما جرى بينه وبين أقطاب قريش وأنّهم مصرون على مخالفته ، عندها أحسّ الرسول صلى الله عليه وآله أنّ عمهُ أبا طالب قد تباطأ قليلًا في حمايته ، فقال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله لعمهِ تلك المقولة المشهورة : « ياعَماهُ لو وضَعوا الشمسَ في يميني والقَمرَ في شمالي على أن أتركَ هذا الأمر ، حتى يُظهرَهُ اللَّهُ أو أهلكَ فيهِ ما تركتُهُ » . ثم بكى وقام ، فلما ولّى ناداهُ أبو طالب ، فاقبلَ عليه وقال : « إذهب يا بن أخي فقل ما أحببتَ فواللَّه لا اسلِّمكَ لشيء أبداً » « 1 » . عندما رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حمايةَ عمّه ثانية ، انطلق بعزيمة كبيرة وثقة عالية ، ولما عرف رؤساء قريش ذلك عادوا إلى أبي طالب وعرضوا عليه أن يساومَ في ابن أخيهِ مقابل أجمل شاب من قريش على أن يتخذه ابناً له ! وجاء الرفض القاطع « 2 » كصاعقةٍ دمرت ما يمكرون ، فعمدوا إلى ايذاء المسلمين من كل طائفة . ومرّة أخرى طلبوا من أبي طالب أن يبلغ الرسول صلى الله عليه وآله بأن يكفّ عن هذا الأمر ، وجاء الردّ المحمدي صلى الله عليه وآله : « يا عم أَو لا أدعوهم إلى ما هو خيرٌ لهم منها ، كلمة يقولونها تَدينُ لهم بها العرب ، ويملكون رقاب العَجَم » فقال أبو جهل : ما هي ، وأبيك لنُعطِيَنَّكها وعَشرَ أمثالها ، قال : « تقولونَ لا إله إلّااللَّه . . . . » وقالوا : سَلْ غيرها ، فقال : « لو جئتموني بالشمسِ حتى تضعوها في يدي ما سألتُكم غيرَها » « 3 » . وفي هذا الوقت دخل في الإسلام أُناس كانوا يرزحون تحت ظُلم جبابرة مكة ، وآخرون واعون ليسوا بالأغنياء المغرورين ، ممّا حدا برؤوساء قريش إلى تغيير أسلوبهم

--> ( 1 ) الكامل لابن الأثير ، ج 1 ، ص 489 ؛ وسيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 284 - 285 ؛ والطبري ، ج 2 ، ص 65 . ( 2 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 285 ، والكامل ، ج 1 ، ص 489 ، والطبري ، ج 2 ، ص 66 . ( 3 ) الكامل لابن الأثير ، ج 1 ، ص 490 ؛ والطبري ، ج 2 ، ص 66 .